توضح عالمة الأعصاب لورا بيلباو بروش أن الجميع مرّ بنوعين من المحادثات؛ إحداهما بدت عميقة لكنها انتهت دون شعور بالتقارب، وأخرى بدأت بحديث عابر وانتهت بإحساس حقيقي بالارتباط. وتشير نتائج دراسة حديثة إلى أن السر لا يكمن في موضوع الحديث وحده، وإنما في الطريقة التي يتفاعل بها دماغا المتحاورين أثناء التواصل.
ووفقًا لما نشره سايكولوجي توداي، اعتمدت الدراسة، التي نُشرت في دورية Social Cognitive and Affective Neuroscience، على مراقبة النشاط الدماغي لـ70 زوجًا من الغرباء باستخدام أجهزة تصوير دماغ محمولة تعمل بالأشعة تحت الحمراء الوظيفية (fNIRS)، أثناء إجراء محادثات مباشرة وجهاً لوجه.
تزامن نشاط الدماغ يحدد قوة التواصل بين الأشخاص
قسم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين، إذ خاضت المجموعة الأولى محادثات بسيطة تناولت موضوعات يومية مثل الطقس أو البرامج التلفزيونية أو تفضيل البحر أو الجبال، بينما ناقشت المجموعة الثانية أسئلة شخصية وعميقة تتعلق بالأحلام والذكريات والمواقف المؤثرة.
وبعد انتهاء المحادثات، قيّم المشاركون شعورهم بالتقارب مع الطرف الآخر، لتكشف النتائج أن المحادثات العميقة عززت الإحساس بالتواصل بدرجة أكبر، إلا أن العامل الأكثر تأثيرًا لم يكن نوع الأسئلة، بل تزامن النشاط العصبي بين دماغي المتحدثين.
ورصد الباحثون توافقًا في نشاط شبكة الوضع الافتراضي داخل الدماغ، وهي الشبكة المسؤولة عن الإدراك الاجتماعي وفهم أفكار ومشاعر الآخرين، لدى الأشخاص الذين شعروا بأقوى درجات التقارب.
كما تبين أن أقوى مؤشر عصبي على نجاح التواصل كان التزامن في نشاط منطقة الوصل الصدغي الجداري الأيمن، وهي المنطقة المرتبطة بالقدرة على تبني وجهة نظر الآخرين وفهم حالتهم الذهنية.
الأسئلة العميقة تساعد لكنها لا تضمن بناء علاقة
أظهرت الدراسة أن نحو ربع المشاركين الذين خاضوا محادثات سطحية شعروا رغم ذلك بارتباط حقيقي مع الطرف الآخر، في حين لم يشعر نحو ثلث المشاركين الذين تلقوا أسئلة عميقة بأي تقارب يذكر.
وتشير هذه النتائج إلى أن الأسئلة العميقة تزيد احتمالات بناء علاقة، لكنها لا تضمن حدوثها، لأن العامل الحاسم يبقى قدرة الشخصين على التفاعل الذهني والانفعالي بطريقة متزامنة.
ورأى الباحثون أن نجاح الحوار يرتبط بالشعور بأن كلا الطرفين يتابع الآخر ويفهمه، وأن المحادثة لا تقتصر على تبادل الكلمات، بل تبني مساحة مشتركة من الفهم والتفاعل.
فهم الآخر هو أساس التواصل الإنساني
خلصت الدراسة إلى أن بناء العلاقات الإنسانية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الأشخاص على فهم العالم من منظور الطرف الآخر، وهو ما ينعكس في التوافق بين نشاط أدمغتهم أثناء الحوار.
وأكدت النتائج أن الأسئلة المناسبة قد تهيئ الظروف لحدوث هذا التوافق، لكنها ليست السبب المباشر في نشوء التواصل الحقيقي، إذ يبقى الانسجام الذهني والتفاعل المتبادل بين الطرفين العامل الأكثر أهمية في تكوين علاقات إنسانية عميقة.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/cell-on-the-self/202607/why-some-conversations-click-and-others-dont

